أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

60

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

الْقُرْآنَ « 1 » ، الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى « 2 » وقد رد عليه السهيلي بأنه لو كان بدلا لكان مبينا لما قبله وما قبله - وهو الجلالة - لا يفتقر إلى تبيين لأنها أعرف الأعلام ألا تراهم قالوا : وما الرحمن ، ولم يقولوا : وما اللّه . انتهى . أما قوله : « جاء غير تابع » فذلك لا يمنع كونه صفة لأنه إذا علم الموصوف جاز حذفه ، وبقاء صفته كقوله تعالى : وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ أي : نوع مختلف وكقول الشاعر : 30 - كناطح صخرة يوما ليوهنها * فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل « 3 » أي كوعل ناطح وهو كثير . والرحمة لغة : الرقة والانعطاف ومنه اشتقاق الرحم وهي البطن ، لانعطافها على الجنين فعلى هذا يكون وصفه تعالى بالرحمة مجازا عن إنعامه على عباده كالملك إذا عطف على رعيته أصابهم خيره . هذا معنى قول أبي القاسم الزمخشري ، ويكون على هذا التقدير صفة فعل لا صفة ذات وقيل : الرحمة إرادة الخير لمن أراد اللّه به ذلك ، ووصفه بها على هذا القول حقيقة ، وهي حينئذ صفة ذات وهذا القول هو الظاهر . وقيل : الرحمة رقة تقتضي الإحسان إلى المرحوم ، وقد تستعمل تارة في الرقة المجردة ، وتارة في الإحسان المجرد ، وإذا وصف به الباري تعالى فليس يراد به إلا الإحسان المجرد دون الرقة ، وعلى هذا روى : « الرحمة من اللّه إنعام وإفضال ومن الآدميين رقة وتعطف » . وقال ابن عباس « 4 » رضي اللّه عنهما : « وهما اسمان رقيقان أحدهما أرق من الآخر : أي أكثر رحمة » قال الخطابي « 5 » : وهو مشكل لأن الرقة لا مدخل لها في صفاته . وقال الحسين بن الفضل « 6 » : هذا وهم من الراوي ، وإنما هما اسمان رقيقان أحدهما أرفق من الآخر ، والرفق من صفاته ، وقال عليه الصلاة والسّلام : « إن اللّه رفيق يحب الرفق ، ويعطي عليه ما لا يعطي على العنف » « 7 » ويؤيده الحديث الآخر وأما الرحيم فالرفيق بالمؤمنين خاصة .

--> ( 1 ) سورة الرحمن ، آيتان ( 1 - 2 ) . ( 2 ) سورة طه ، آية ( 5 ) . ( 3 ) البيت للأعشى . انظر ديوانه ( 134 ) ، من قصيدة قالها لأبي ثابت يزيد بن مسهر الشيباني وقد عدت من المعلقات . ( 4 ) عبد اللّه بن عباس بن عبد المطلب القرشي الهاشمي أبو العباس حبر الأمة الصحابي الجليل . توفي سنة 68 ه . الإصابة ( 4772 ) ، حلية الأولياء ( 1 / 314 ) ، صفة الصفوة ( 1 / 314 ) ، نسب قريش ( 26 ) ، تاريخ الخميس ( 1 / 167 ) ، الأعلام ( 4 / 95 ) . ( 5 ) حمد بن محمد بن إبراهيم بن الخطاب أبو سليمان الخطابي من ولد زيد بن الخطاب أخي عمر رضي اللّه عنه صاحب غريب الحديث وشرح البخاري وغير ذلك ، توفي يوم السبت سادس ربيع الآخر سنة ست وثمانين وثلاثمائة . البغية ( 1 / 547 ) . ( 6 ) الحسين بن الفضل بن عمير البجلي ، مفسر معمر كان رأسا في معاني القرآن أصله من الكوفة وانتقل إلى نيسابور ، توفي سنة 282 ه . العبر ( 2 / 68 ) ، لسان الميزان ( 2 / 307 ) ، الأعلام ( 2 / 251 - 252 ) . ( 7 ) أخرجه البخاري ( 8 / 14 ) ، ( 71 ، 104 ) ، طبعة دار الفكر ، ومسلم في البر والصلة ( 77 ) ، وأبو داود في السنن ( 4807 ) ، وأحمد في المسند ( 1 / 112 ، 4 / 87 ) ، والبخاري في الأدب المفرد ( 466 ) ، وعبد الرزاق في المصنف ( 9251 ) ، وابن حبان ذكره الهيثمي في الموارد ( 1914 ) ، الدولابي في الكنى ( 2 / 41 ) ، والطبراني في الصغير ( 1 / 81 ، 154 ) ، والبخاري في التاريخ ( 1 / 308 ) ، وابن أبي شيبة في المصنف ( 8 / 324 ، 325 ) ، ومالك في الموطأ ( 979 ) ، والبيهقي في السنن الكبرى ( 10 / 193 ) ، وأبو نعيم في تاريخ أصفهان ( 1 / 36 ) ، والخطيب في التاريخ ( 6 / 124 ) .